محمد ابو زهره
1064
خاتم النبيين ( ص )
يصروا على الشر ، وفرق بينهم وبين الذين انتحلوا أعذارا ، وكذبوا ، وحلفوا وهم يعلمون أنهم كاذبون ، وما قصدوا إرضاء اللّه ، بل قصدوا إرضاء العباد ، فلم يتوبوا ، وارتكبوا الشر وأصروا عليه إصرارا . وإنه إذا كانت التوبة الصادقة جبت ما قبلها . وبينت السورة الكريمة أمورا ثلاثة تدخل في بناء المجتمع الصالح ، وإذا لم تكن تخريب . أولها : أن الجهاد تجريد النفس عن أعلاق الدنيا ، وما يتعلق بالأحباب والمحبوبات من الأشياء والمتع ، وأن المجاهد إن لم يتجرد ذلك التجرد ، فإن على الأمة أن تتربص حينها ، وتذهب قوتها ، إن الأمة التي تريد الحياة يجب أن تتسربل سربال الجهاد ، وتستشعر حياته ، ولا جهاد مع الأثرة ، ولا جهاد مع التعلق بالحياة ، فإن لم تفعل فإنها تذل وتهون ، ويتحقق فناؤها في غيرها ، وتعيش ذليلة مهينة . ثانيها : أن النفاق كما أشرنا هو مقوض الجماعات يمنع توافر الثقة بين آحادها ، والثقة أساس بنيانها ، فما لم توجد الثقة لا توجد المحبة ، والمحبة هي الرباط الذي يربط بين الآحاد ، ويربط الجماعة ، ولا يقطع حبال المودة والمحبة إلا أن يظن الإنسان بأخيه شرا ولا يمكن أن يكون التئام بين الأمة إذا كان كل واحد يتظنن بأخيه ، والنفاق هو المادة التي بها تقطع الصلات . ولذلك وصف اللّه تعالى المنافقين والكافرين بأنهم يقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل ، وما أمر اللّه به أن يوصل هو المودة والمحبة والأخوة ، وإن النفاق يفسد نفوس المنافقين ، فيأمرون بالمنكر ، وينهون عن المعروف ويفسدون الناس فتسرى عدواهم إلى الضعفاء ويلقون بالفرقة بين الأقوياء وما ساد النفاق في قوم إلا تقطعوا فرقا ومزقوا مزقا . ولقد بين القرآن الكريم صور النفاق في هذه السورة بما لم يبين به في سورة أخرى ، وإذا كانت سورة ( المنافقون الصغرى ) قد بينت خلالا للمنافقين في أطواء نفوسهم وانحرافاتهم ، ومعاملتهم فسورة براءة ، وقد أسميها سورة النفاق الكبرى قد بينت حالهم عندما تشتد الشديدة وعندما تكون الحرب وعندما تكون الأزمات . وبينت أن النفاق قد يتجاوز العلاقات الإنسانية إلى مظاهر العبادات ، فهم ينشئون مسجدا يكون ملتقى لاجتماعاتهم المريبة ، ويبنونه إرصاد للاتصال بينهم وبين الرومان في الشام ، فهو إرصاد لمن حارب اللّه ورسوله صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ويتظاهرون بأنه مسجد ، فيكشف اللّه سترهم ، ويكون في التاريخ الإسلامي مسجد الضرار . وإنه يجب لكي تكون الجيوش مجتمعة القوى لا بد أن تكون مجتمعة العزم ، وذلك بإبعاد المنافقين وعدم دعوتهم فإنهم يريدون الفتنة ، ويبتغونها والفتنة في الجيوش طريق مؤكد لهزيمتها .